الشوكاني
189
فتح القدير
وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب : هو مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب كانوا يتشاحون على الصف الأول ، فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال لتحصيل الشهادة ( فافسحوا يفسح الله لكم ) أي فوسعوا يوسع الله لكم في الجنة ، أو في كل ما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق وغيرهما . قرأ الجمهور " تفسحوا في المجلس " وقرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم " في المجالس " على الجمع ، لأن لكل واحد منهم مجلسا ، وقرأ قتادة والحسن وداود ابن أبي هند وعيسى بن عمر " تفاسحوا " قال الواحدي : والوجه التوحيد في المجلس ، لأنه يعني به مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقال القرطبي : الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر ، سواء كان مجلس حرب ، أو ذكر ، أو يوم الجمعة ، وأن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه ، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه ، ويؤيد هذا حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا " ( وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) قرأ الجمهور بكسر الشين فيها ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضمها فيهما ، وهما لغتان بمعنى واحد ، يقال نشز : أي ارتفع ينشز وينشز كعكف يعكف ويعكف ، والمعنى : إذا قيل لكم انهضوا فانهضوا . قال جمهور المفسرين : أي انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير . وقال مجاهد والضحاك وعكرمة : كان رجال يتثاقلون عن الصلاة ، فقيل لهم إذا نودي للصلاة فانهضوا . وقال الحسن : انهضوا إلى الحرب . وقال ابن زيد : هذا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال الله تعالى ( وإذا قيل انشزوا ) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( فانشزوا ) فإن له حوائج فلا تمكثوا . وقال قتادة : المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف ، والظاهر حمل الآية على العموم ، والمعنى : إذا قيل لكم انهضوا إلى أمر من الأمور الدينية فانهضوا ولا تتثاقلوا ولا يمنع من حملها على العموم كون السبب خاصا ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو الحق ، ويندرج ما هو سبب النزول فيها اندراجا أوليا ، وهكذا يندرج ما فيه السياق وهو التفسيح في المجلس اندراجا أوليا ، وقد قدمنا أن معنى نشز ارتفع ، وهكذا يقال نشز ينشز : إذا تنحى عن موضعه ، ومنه امرأة ناشز : أي متنحية عن زوجها ، وأصله مأخوذ من النشز ، وهو ما ارتفع من الأرض وتنحى ، ذكر معناه النحاس ( يرفع الله الذين آمنوا منكم ) في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما ( والذين أوتوا العلم درجات ) أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا والثواب في الآخرة ، ومعنى الآية أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات ، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات ثم رفعه بعلمه درجات ، وقيل المراد بالذين آمنوا من الصحابة وكذلك الذين أوتوا العلم ، وقيل المراد بالذين أوتوا العلم الذين قرءوا القرآن . والأولى حمل الآية على العموم في كل مؤمن وكل صاحب علم من علوم الدين من جميع أهل هذه الملة ، ولا دليل يدل على تخصيص الآية بالبعض دون البعض ، وفي هذه الآية فضيلة عظيمة للعلم وأهله ، وقد دل على فضله وفضلهم آيات قرآنية وأحاديث نبوية ( والله بما تعملون خبير ) لا يخفى عليه شئ من أعمالكم من خير وشر ، فهو مجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) المناجاة المساررة ، والمعنى : إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم فقدموا بين يدي مساررتكم له صدقة . قال الحسن : نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يناجونه ، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى ، فشق عليهم ذلك . فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى لتقطعهم عن استخلائه . وقال زيد